فخر الدين الرازي

548

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل ، وقال بعضهم : العوان التي ولدت بطناً بعد بطن . وحرب عوان : إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد مرة ، وحاجة عوان : إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة . البحث الرابع : احتج العلماء بقوله تعالى : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وهاهنا سؤالان : الأول : لفظة « بين » تقتضي شيئين فصاعداًفمن أين جاز دخوله على ذلك ؟ الجواب : لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر . السؤال الثاني : كيف جاز أن يشار بلفظه : ( ذلك ) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر ؟ الجواب : جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام . أما قوله تعالى : فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ففيه تأويلان : الأول : فافعلوا ما تؤمرون به من قولك : أمرتك الخير . والثاني : أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير . واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها ، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعد ما وصلت إلى حالة الكمال ، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال ، فأما المتوسطة فهي التي تكوى في حالة الكمال . ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم اللّه تعالى بأنها : صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ، والفقوع / أشدها يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر ، وهاهنا سؤالان : الأول : « فاقع » هاهنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء ؟ الجواب : لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها . السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون ؟ الجواب : الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون . وعن وهب : إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها . أما قوله تعالى : تَسُرُّ النَّاظِرِينَ فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها ، قال الحسن : الصفراء هاهنا بمعنى السوداء ، لأن العرب تسمي الأسود أصفر ، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان : كأنه جمالات صفر [ المرسلات : 33 ] أي سود ، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود البتة ، فلم يكن حقيقة فيه ، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع ، إنما يقال : أصفر فاقع وأسود حالك واللّه أعلم ، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع ، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ وهاهنا مسائل :